خيبتي المُستديمة – ،

 

 

 

[ كنتُ أريدُ أن أرثي ( غزة ) ، فرثيتُ قبلها ذاتي ] !

 

 

 

:

 

.

 

 

 

وأعودُ لأبكي هاهنا بدل أن أبكي على الهواء ، لازادَ لي إلاّ خيبةٌ كبيرةٌ

أوّدتْ عودي ، فذبل قبلَ أن تينعَ زهرته ..

وثقتُ جداً بابتسامتي حين تحلّ ضيفةً غريبةً على صفحة وجهي ، وعلّقتُ

فيها أمرَ سعادتي ، وظننتُ أنني امتلكتُ الدنيا حين ملكتُ أمرَ حضورها ،

وسخرتُ من حزني بالضحك العالي حينَ أراهُ بعيداً بعينِ الآمنِ من شرّه

وحضوره ، ونسيتُ قسوة الحزنِ حين يأتي مُزمجراً ..

كنتُ أظنّ أنني بخير ، أو أنّ خُطى المساءِ تسيرُ إلى ما أرتضي ، أو أنّ

أفواجَ الحنينِ حين تثورُ وتغالبُ هدوء السواحل سوف أجدُ لها من صبري

وتظاهري بالسلوّ سداً منيعاً ..

كنتُ أظنّ أن البياضَ يأخذُ مساحةً أكبرَ مما أظن ، كنتُ أجازف بقناعةِ أنّ

خطواتي مزروعةً في كلّ قلبٍ تعبره ، كنتُ أظنّ أن مروري تأمينٌ على كلّ

شيء ثمين أخاف عليهِ من وطأة الغياب .

ومرّ الغياب ، وتلاشتْ معه كل خطوة علّقتُ بها أملَ عدم النسيان ، والتناسي

أيضاً ، حين يكونُ التناسي أمراً يفرضُ نفسهُ قسراً من أجل حياة الأشياء التي

عليها أن تكون حية مابقِيت .

فيالـ الدنيا حين تقضي علينا أن نتأرجح بين المتناقضات : الذكر والتناسي ،

الأمل والخيبة ، الموت والحياة ، طلب الشفاء والرضا بالمرض ، الحضور والغياب ،

 أن تقضي علينا أيضاً بالسيرِ على جسرٍ خشبيّ مهترئ يمتدُ بين حدّين أحدهما

العيشُ في ظلالِ الوهم والوعدُ بإمكان المجيء ، والآخر العيشُ

في ظلّ اجترارِ الخطى ، وطلبِ السلوى ، وانتظارِ المصير .

يالـ الدنيا حين تضطرّك أن تنكثَ غزلَ ماسعيتَ في تدبيجهِ بماء قلبك الشفيف ،

 ودموعك التي يجانفها الكذب ، حين تحدقُ فيمنْ أنفقتَ وقتكَ ودعاءكَ 

كي يكون بخير ، ويغرّد من جانبك لتسعد ، ثم بعد أن يأكل الزمان

 على حبك تراهُ ذاته من يغري الدموع لتحضرَ معهُ حين يكون ضيفاً – ليس

عابراً – على وقتك ؛إذْ كانَ غيابُه فوضى ترتّب انهمال دموعك ، فأصبح حضورهُ

 صمتاً يغري الضجيج في نواحيك .

 

لا ُيبكينا سوى مَن نحبّ وإن شاركونا الضحك ، ومن يجعلنا نساومُ على

الموت غيرهم ، ومَن يربّي الخيبات حتى تضيقُ فينا الحياة ، فنضطرّ إلى ارتدادِ

المنافي غير مأسوفٍ على حبّنا أو تفانينا فيه .

 

ألهذا الحدّ رخصتْ بضائعُنا الثمينة ، ووجدتْ لها مكاناً في سوقِ الكساد

وخلعنا عن قلوبنا رداءَ الحرير ، متعلّلين بوجودِ ما هو أفضل منهُ وأكثر قيمة

والتحفنا برداءِ التخلّي بعذر الملل والسّأم ، ورمينا الأحباب في سلة المُهمَلين !

 

مايقْلقُ المُحبّ سوى موتٌ يترصّده ، يتجهمهُ في الزوايا ، والممرّاتِ الضيّقة

يظلّ يهدّدهُ بانقطاعِ الأماني لحظةَ أن يجيء ، والغائبون نسو ملامح الموت

لفرط انشغالهم بملامح أوقاتهم المزدحمة ، وتركونا أفراداً نقابل جهابذة

الشجن ، بعدّة ليست بالعتيدة ..

 

هل يعلمُ كل من انتسبَ إلى الغيابِ أنهم في أيّ لحظةٍ سوف لن يجدونا في

 انتظارهم ، وأنهم سوف يجدوننا – ذات يوم – مكبّلين في البياض ، والشحوب أيضاً ،

 قد أفضينا إلى ماقدّمنا ، وقدْ مِتنا ونحنُ نحضنُ خيبة عدم اللقاء بهم ، وهم قد جاؤا على

 أملِ الوداعِ الأخير ، قبلَ أن يفرّق بيننا التراب !

 

لم يا أحبة حين أسكنتكم في أفانين قلبي أوجعتموه ، بدلَ أن ترعوا ثماره ،

لمَ ترخصُ في عيونكم بضائعنا التي دفعنا نضارة العمْر ثمناً لها ، لمَ تُعبّرون

صمتنا ، وإحجافنا عن القولِ بالبخلِ وعدمِ الجدوى ، لم تحمّلوننا أكثرَ مما نُطيق ،

لم تجازون الحبّ الكبير ، الشاسع ، الفائض كـ بحر بخيبة تفوقه مدّا

وجزراً ، لم لا تحسنون النوايا في المدى الكبيرِ الذي يفصلنا عنكم ، وتؤمنونَ

أنهُ حنينٌ هادر لم يعُدْ في وسعنا ترويضَه وتهذيبه ، لم لا تقرؤونَ قصائدَ الصمتِ

 الذي نوزّعها لكم في الطرقاتِ ، ونتركُ لكم منها نسخةً طبقَ الأصل على

 بريقِ عيوننا حينَ نصافحكم بعد غياب ولهفة ، لم لا تجمعونَ الشتات بكلمةٍ

صادقة ، مفادُها : أننا من دونكم كم غرِمنا الشوق والحنين !

 

أنا آسَفُ لأنني حين أكتب بكم يفيض الحبر ، ثم توشك أوراقي على النفاد

وأعلنُ للدنيا تمرّدي ، ومابلغتُ نصفَ حاجتي .

 

 

 

24 شوال / 1430 هـ ، بعدَ دقائق من خيبتي .

 

 

 

 

~ بواسطة win6er على أكتوبر 13, 2009.

2 تعليقات to “خيبتي المُستديمة – ،”

  1. وايم الله..
    إن الغياب موجع..والفراق عذاب بكل لغات العالم..

    هذا النص أيها الانسياب كيتيم يستصرخ في الناس ما يلقاه..
    هيهات أن يرجع والداه وهم في باطن الأرض..
    وهيهات أن يلقى في الناس من يعوضه يد والده..وحضن أمه..

    ولنا الله يا أنتم..

  2. وأيمُ الله أنني كتبته بعينيّ يتيمٍ

    وبدمعِ أسيفٍ كاسحٍ لنضارة الوجه ..

    لكنّ الله – دائماً – لايضيّع قلوبنا ، إنه

    يبتدرُها حين الصباح بجبر لكسوره

    ويمنحٌه الهدايا التي تُرضيه ..

    شكراً لحضورك .

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.